الشيخ محمد الصادقي الطهراني
205
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ » ( 17 : 93 ) كذلك لأولاء « يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً . . . » ( 4 : 153 ) . إذا فتجاوبهم في تحقيق آيات مقترحات - ولا سيما التي ليست هي في الحق بآيات - إنه تجاوب معهم في التكذيب والاستهزاء بها وتهديرها وتهذيرها دون اهدائها أو تحذيرها . وهنا « كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ » تبيّن أن هؤلاء الحسيين الناكرين لما وراء الحس بلغوا في عناد النكران لحد ينكرون المحسوس الملموس كما ينكرون غير المحسوس ، لأن تصديق ذلك المحسوس ذريعة إلى تصديق لغير المحسوس . وترى تنزيل كتاب في قرطاس مستحيل كما تدل عليه « لو » ؟ واللَّه على كل شيء قدير ! إنه مستحيل مصلحيا في أبعاد : « أن نازل كتاب الوحي من السماء لمحة إلى أن المنزل هو ساكن السماء وليس به ، وان منزل الوحي هو قلب الرسول وليس حسّه حتى ينزل عليه كتاب في قرطاس ، ثم في تحقيق اقتراحهم هذا مسايرة معهم في باطل حيث هم بعد منكرون . ذلك ! وكما « لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ » ( 15 : 15 ) . ذلك انما هو من خلفيات نكرانهم البغيض الحضيض ، فليس الذي يجعلهم يعرضون عن آيات ربهم أن البرهان على صدقها قاحل أو ضعيف ، أو غامض لا يعرفه إلّا عباقرة ، أو أنها تختلف فيها أرباب العقول ، إنما هو المكابرة الغليظة البغيضة والعناد الصفيق السحيق . ثم ومن عاذرتهم كما يهوون أن لم يبعث اللَّه إليهم ملكا يحمل وحيه وهم شاهدوه : وَقالُوا لَوْ لاأُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لايُنْظَرُونَ ( 8 ) : « لَوْ لاأُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ » يصدقه ونراه يوحي إليه لنا ، أفلم يكن - إذا - برهانه أمتن وتصديق أمكن ؟